الاختفاء القسري للصحفيين والإعلاميين في اليمن: تقرير توثيقي 2015–2026

الاختفاء القسري للصحفيين والإعلاميين في اليمن: تقرير توثيقي 2015–2026

يمثل الاختفاء القسري أحد أخطر أنماط الانتهاكات التي طالت الصحفيين والإعلاميين في اليمن خلال سنوات النزاع ليس فقط لما ينطوي عليه من حرمان غير مشروع من الحرية، بل لما يصاحبه من إنكار للاحتجاز أو إخفاء لمصير الصحفي أو مكان تواجده، بما يضعه خارج نطاق الحماية القانونية ويترك أسرته وزملاءه في حالة مستمرة من عدم اليقين.

يركز هذا التقرير، الصادر عن مرصد الحريات الإعلامية (مرصدك) – التابع لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، على الاختفاء القسري بوصفه نمطًا محددًا من الانتهاكات ضد حرية الصحافة في اليمن خلال الفترة الممتدة من 26 مارس/آذار 2015 إلى 15 أغسطس/آب 2026. ويستند إلى قاعدة بيانات المرصد وما جمعه من وثائق وشهادات ومعلومات جرى التحقق منها وتصنيفها وفق منهجية الرصد والتوثيق المعتمدة.

وتشير الحالات الموثقة إلى أن الاختفاء القسري غالبًا ما يأتي ضمن مسار يبدأ بتوقيف الصحفي أو الإعلامي من منزله أو مكان عمله أو أحد الأماكن العامة، ثم قطع تواصله مع أسرته ومحاميه، وعدم تسجيله في مكان احتجاز معلن أو رسمي، قبل أن تواجه أسرته إنكارًا للاحتجاز أو معلومات متضاربة عن مصيره ومكان تواجده. وقد يستمر هذا الوضع أيامًا أو أشهرًا أو سنوات، كما قد ينتهي بالكشف عن المكان مع استمرار الاحتجاز التعسفي أو الانتقال إلى إجراءات قضائية.

ووفق قاعدة بيانات المرصد، وثق التقرير 235 حالة انطوت على عناصر الاختفاء القسري من بين 540  حالة احتجاز تعسفي طالت صحفيين وإعلاميين، بما يمثل 43.5% من إجمالي حالات الاحتجاز التعسفي الموثقة. وتعكس هذه الأرقام الحالات التي تمكن المرصد من الوصول إليها والتحقق منها، ولا تشكل حصرًا شاملًا لجميع الحالات، خصوصًا في ظل صعوبة الوصول إلى المعلومات، وتعدد جهات الاحتجاز، وخشية بعض الضحايا والأسر من الإبلاغ.

وتوزعت الحالات على عدد من المحافظات اليمنية، حيث سجلت صنعاء العدد الأكبر بواقع 99 حالة، بنسبة 42.1%، تلتها الحديدة بـ30 حالة، وتعز بـ26 حالة، وعدن بـ23 حالة. وشكلت المحافظات الأربع مجتمعة 75.7% من إجمالي الحالات الموثقة، فيما توزعت بقية الحالات على محافظات أخرى.

ونُسب العدد الأكبر من الحالات إلى جماعة أنصار الله (الحوثيين) بواقع 167 حالة، بنسبة 71.1%، تلتها الحكومة اليمنية بـ37 حالة، ثم المجلس الانتقالي الجنوبي بـ17 حالة. وظلت الجهة المسؤولة غير محددة في عشر حالات، فيما نُسبت 4 حالات إلى تنظيم القاعدة. ويعبر إسناد الحالات إلى هذه الجهات عن نتيجة عملية الرصد والتحقق التي أجراها المرصد، ولا يمثل حكمًا قضائيًا نهائيًا بالمسؤولية.

وسجل عام 2015 العدد الأعلى بواقع 76 حالة، تلاه عام2017  بواقع 48 حالة، وشكّلت حالات العامين معًا 52.8% من إجمالي الحالات. وعلى الرغم من تراجع الأعداد بعد السنوات الأولى للنزاع، استمر تسجيل حالات جديدة، من بينها 15  حالة في عام 2025، و4 حالات خلال الفترة من مطلع 2026 إلى 15 أغسطس/آب.

وتعرض الحالات المختارة في التقرير صورًا مختلفة للاختفاء القسري. فما يزال مصير الصحفي وحيد الصوفي مجهولًا منذ أبريل/نيسان 2015، في حالة اختفاء مستمرة تجاوزت 11 عامًا. وفي حالة ناصح شاكر، ثبت توقيفه بمحضر رسمي، ثم أُخفي مكانه مدة لا تقل عن 441 يومًا، قبل التحقق من وجوده في سجن تابع لقوات الحزام الأمني. وعلى الرغم من صدور حكم بالإفراج عنه في يناير/كانون الثاني 2026، استمر احتجازه، وفق معلومات المرصد، حتى تاريخ إغلاق الرصد.

كما يوثق التقرير اختفاءً جماعيًا لستة صحفيين في الحديدة، تلقت أسرهم خلاله معلومات متناقضة عن أماكن وجودهم قبل التحقق من احتجازهم في سجن الأمن والمخابرات بالحديدة. وأُفرج لاحقًا عن 4 أربعة منهم، بينما ظل وليد علي غالب وحسن زياد رهن الاحتجاز حتى 15 أغسطس/آب 2026. ويوثق التقرير كذلك حالات قصيرة أو متكررة، من بينها حالتا الصحفية هالة باضاوي والصحفي حمود هزاع، بما يوضح أن الاختفاء لا يُقاس بمدته، بل باجتماع الحرمان من الحرية مع إخفاء المكان أو المصير والحرمان من الحماية القانونية.

وتكشف الحالات أن أثر الاختفاء القسري لا يقتصر على الضحية المباشرة، بل يمتد إلى أسرته والوسط الإعلامي والمجتمع. فقد تحمّلت الأسر أعباء البحث والسفر والوساطات والمتابعة القانونية، وعاشت فترات طويلة من القلق وعدم اليقين، فيما تعرض بعضها للتهديد أو التشهير بسبب مطالبته بالكشف عن مصير ذويه.

كما أسهمت هذه الممارسات في توسيع الرقابة الذاتية ودفع بعض الصحفيين إلى تجنب القضايا الحساسة أو تقليص نشاطهم أو استخدام أسماء مستعارة، فيما توقف آخرون عن ممارسة المهنة بعد الإفراج عنهم. وانعكس ذلك على المؤسسات الإعلامية ومصادر المعلومات، وأضعف قدرة الصحافة على توثيق الانتهاكات وكشف الفساد ومساءلة الجهات النافذة، بما يقوض حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.

ويستند التقرير في تعريف الاختفاء القسري إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري  بوصفها مرجعًا قانونيًا، مع مراعاة أن اليمن ليست طرفًا فيها، إنما يستخدم التقرير تعريف المادة (2) كإطار وصفي وتحليلي لعناصر الانتهاك، لا باعتباره أساس لإلزام اليمن بالاتفاقية التي لم يصادق عليها. وحين تُنسب الوقائع إلى جهات لا تحمل صفة أجهزة الدولة الرسمية، بل تُمارس سيطرة فعلية بوصفها سلطة أمر واقع أو طرفًا منظمًا في النزاع، فإن تطبيق هذا التعريف عليها يكون تطبيقًا بالقياس يستهدف تحليل بنية الانتهاك (الحرمان من الحرية، إخفاء المصير، والحرمان من الحماية القانونية)، ولا يفترض خضوع هذه الجهات لالتزامات الاتفاقية بوصفها معاهدة. أما إسناد المسؤولية القانونية الفعلية لهذه الجهات فيستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي المنطبقة على أطراف النزاعات المسلحة غير الدولية، وتحديدًا حظر الاختفاء القسري ويكيف التقرير هذه الأفعال، وفقًا للقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني المطبقة في النزاعات المسلحة غير الدولية، لا كانتهاكات مجردة، بل كجريمة حرب وفقًا للقاعدة (98) من العرف الدولي، وجريمة مستمرة لا تسقط بالتقادم الزمني، ولا تنتهي جريمة الاختفاء بمجرد معرفة مكان الاحتجاز طالما حُرم الصحفي من الضمانات القانونية.

كما يستند تحليل التقرير إلى الحقوق التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، وهما ملزمان لليمن، وإلى قواعد القانون الدولي الإنساني المنطبقة على أطراف النزاع.

ويميز التقرير بين الاختفاء القسري، الاحتجاز التعسفي، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي. فالاحتجاز لا يتحول إلى اختفاء قسري إلا عندما يقترن بإنكار الحرمان من الحرية، أو إخفاء المصير، أو المكان على نحو يضع الشخص خارج حماية القانون. ولا يلغي الكشف اللاحق عن مكان المحتجز وقوع الاختفاء خلال الفترة السابقة، ولا يضفي المشروعية على استمرار احتجازه.

ويخلص التقرير إلى أن الاختفاء القسري أصبح أحد الأساليب المستخدمة للضغط على الصحفيين وإبعادهم عن المجال العام، أو أدى عمليًا إلى هذه النتيجة. كما يكشف عن قصور في تسجيل المحتجزين، وتمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، وعرضهم على القضاء، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، وتنفيذ الأحكام القضائية. ويعزز غياب المساءلة خطر تكرار الانتهاكات، ويقوض حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة.

ويدعو التقرير الجهات المحلية والدولية إلى اتخاذ إجراءات فعّالة للكشف عن مصير المختفين وأماكن وجودهم، إنهاء الاحتجازات السرية، إطلاق سراح المحتجزين دون أساس قانوني، تنفيذ الأحكام القضائية، وضمان تسجيل جميع المحتجزين وتمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم. كما يدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة وفعّالة، ومحاسبة المسؤولين، وحماية الضحايا وأسرهم والشهود، وتوفير جبر ضرر حقيقي، وتعزيز حماية الصحفيين، واتخاذ تدابير قانونية ومؤسسية تمنع تكرار الاختفاء القسري.

للاطلاع على التقرير كاملًا

التعليقات