مؤتمر الإعلام اليمني الرابع 2025: تضامن مهني لحماية الحريات وبناء إعلام مستقل

مؤتمر الإعلام اليمني الرابع 2025: تضامن مهني لحماية الحريات وبناء إعلام مستقل

يمثل مؤتمر الإعلام اليمني الرابع 2025 محطة مفصلية في مسار العمل الإعلامي اليمني، حيث جاء في ظل أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، وانعكس كمنصة وطنية جامعة لمناقشة واقع الصحافة والحريات الإعلامية، وسبل حماية الصحفيين وتعزيز التضامن المهني. انعقد المؤتمر خلال الفترة من 2 إلى 6 نوفمبر 2025 تحت شعار “نتضامن… نحمي الحريات”، ونظمه مرصد الحريات الإعلامية التابع لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، بدعم من وزارة الخارجية الهولندية، وبمشاركة واسعة من صحفيين وأكاديميين وحقوقيين من داخل اليمن وخارجه.

سياق انعقاد المؤتمر وأهميته

جاء المؤتمر امتدادًا لمسار تراكمي انطلق منذ عام 2021، ليؤكد الحاجة الملحة إلى فضاء مهني مستقل يجمع الصحفيين اليمنيين بمختلف توجهاتهم ومناطقهم. وقد وفر المؤتمر هذا العام مساحة آمنة للنقاش الحر حول قضايا حرية الصحافة، والانتهاكات المتزايدة بحق الإعلاميين، وغياب المساءلة القانونية، إضافة إلى التحديات البنيوية التي تواجه الإعلام المستقل في ظل الحرب والانقسام السياسي.

انعقدت فعاليات المؤتمر افتراضيًا عبر منصة “زوم”، ما أتاح مشاركة واسعة تجاوزت 500 مشارك ومشاركة من صحفيين وصحفيات، وطلاب إعلام، وناشطين حقوقيين، وأكاديميين من محافظات يمنية متعددة، إلى جانب مشاركين من دول عربية عدة، وهو ما يعكس البعد الإقليمي والاهتمام الواسع بقضية الإعلام في اليمن.

عشر جلسات تعكس تنوع القضايا الإعلامية

توزعت أعمال المؤتمر على عشر جلسات رئيسية، تنوعت بين جلسات نقاشية خالصة، وأخرى تدريبية، وجلسات مزجت بين النقاش والتطبيق العملي. وقد تناولت هذه الجلسات قضايا محورية، أبرزها حرية الصحافة في اليمن، التضامن المهني، دور الإعلام في العدالة الانتقالية، الصحافة النسوية، العلاقة بين الإعلام والسلطة والجمهور، إضافة إلى التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات.

هذا التنوع في المحاور عكس وعيًا متقدمًا بضرورة الربط بين القضايا الحقوقية والمهنية من جهة، والتطورات التقنية والاقتصادية من جهة أخرى، باعتبارها عناصر متداخلة في مستقبل الإعلام اليمني.

الإعلام اليمني بين القمع وغياب المساءلة

أحد أبرز محاور المؤتمر تمثل في تسليط الضوء على واقع القمع الذي يتعرض له الصحفيون، وتحول الانتهاكات إلى ممارسات ممنهجة تشمل الاعتقالات التعسفية، والمحاكمات خارج الأطر القانونية، والتضييق على المؤسسات الإعلامية المستقلة. وأكد المشاركون أن غياب المساءلة القانونية أسهم في تطبيع هذه الانتهاكات، وأضعف من قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي.

وشددت المداخلات على أن غياب التضامن داخل الوسط الصحفي فاقم من هشاشة المهنة، حيث بات الصحفي يواجه المخاطر بمفرده، ما يستدعي إعادة بناء الروح الجماعية داخل الأسرة الإعلامية.

التضامن المهني كقيمة جامعة

أكد المؤتمر أن التضامن المهني ليس خيارًا ثانويًا، بل يمثل ركيزة أساسية لحماية الصحفيين والدفاع عن حرية التعبير. وناقشت جلسة “حرية الصحافة في اليمن والحاجة إلى التضامن” أثر الانقسام السياسي والمناطقي في تفكيك الصف الإعلامي، والدور الذي يمكن أن يلعبه التضامن القائم على المبادئ المهنية، لا على الانتماءات السياسية، في استعادة قوة الإعلام.

وخلصت النقاشات إلى أن إعادة بناء الثقة بين الصحفيين أنفسهم شرط أساسي لاستعادة ثقة الجمهور بالإعلام.

من الخبر إلى الدليل: الإعلام والعدالة الانتقالية

تناولت إحدى الجلسات الدور المحوري للإعلام في دعم مسار العدالة الانتقالية، من خلال توثيق الانتهاكات، وبناء ذاكرة جماعية قائمة على الحقيقة. وأكد المتحدثون أن الصحافة لم تعد تكتفي بسرد الأخبار، بل أصبحت مطالبة بإنتاج محتوى توثيقي يمكن أن يشكل أدلة قابلة للاستخدام في مسارات المساءلة والإنصاف.

كما دعت الجلسة إلى تدريب الصحفيين على التوثيق الحقوقي والتحقيقات المعمقة، بما يعزز دور الإعلام كشريك في تحقيق العدالة.

الصحافة بين السلطة والجمهور

ناقش المؤتمر إشكالية العلاقة بين الإعلام والسلطة، وسؤال “لمن تُكتب الأخبار؟”. وأجمع المشاركون على أن استعادة ثقة الجمهور تمر عبر إعادة تعريف الصحافة كخدمة عامة، تضع احتياجات المواطن في مقدمة أولوياتها، وتبتعد عن الاستقطاب والدعاية.

وتم التأكيد على أهمية تبني صحافة الحلول وصحافة الخدمات، باعتبارهما مدخلين عمليين لتقريب الإعلام من هموم الناس اليومية.

تمكين المرأة والصحافة النسوية

خصص المؤتمر مساحة مهمة لمناقشة واقع الصحافة النسوية في اليمن، والتحديات التي تواجه الصحفيات، سواء على المستوى المهني أو المجتمعي. ودعت الجلسة إلى تجاوز الصورة النمطية للمرأة كضحية، والعمل على إبرازها كفاعل مؤثر في غرف الأخبار ومواقع صنع القرار.

كما شدد المشاركون على ضرورة تحويل المبادرات النسوية من جهود فردية إلى كيانات مؤسسية قانونية تضمن الاستدامة والتأثير.

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

في جانب التطوير المهني، ركزت الجلسات التدريبية على التحول الرقمي، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الصحافة، وصحافة البيانات. وأكد الخبراء أن هذه الأدوات تمثل فرصة لتحسين جودة المحتوى وإدارة الوقت، شريطة الالتزام بالمعايير الأخلاقية، وحماية الخصوصية، وتجنب التلاعب بالمحتوى.

كما نُظمت ورش متخصصة حول استراتيجيات إنتاج المحتوى الرقمي، بمشاركة صحفيين من مؤسسات إعلامية مستقلة، بهدف تعزيز استدامة الإعلام في ظل التحديات الاقتصادية.

مخرجات وتوصيات

اختتم المؤتمر بجملة من التوصيات، أبرزها إنشاء آلية وطنية مستقلة لرصد وتوثيق الانتهاكات ضد الصحفيين، وتطوير التشريعات الإعلامية بما يضمن حرية التعبير، ودعم الإعلام المستقل عبر تنويع مصادر التمويل. كما دعا إلى اعتماد سياسات مؤسسية للحماية القانونية والرقمية والنفسية للصحفيين، وإدماج صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي في المناهج الأكاديمية.

خلاصة

أكد مؤتمر الإعلام اليمني الرابع 2025 أن بناء إعلام حر ومستقل يشكل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة والسلام في اليمن. وقد نجح المؤتمر في توفير مساحة مهنية جامعة، أعادت تسليط الضوء على قضايا الصحافة والحريات، وطرحت رؤى عملية لمستقبل الإعلام، قائمة على التضامن، والمهنية، والتطوير المستدام، بما يخدم حق المجتمع في المعرفة ويعزز دور الصحافة كسلطة رقابية مسؤولة.

انقر هنا لتحميل التقرير كاملا اضغط هـنـا

التعليقات